أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

237

التوحيد

وأيضا إن اللّه تعالى قال في الذنوب التي لا يغفرها : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] ، وعلى ذلك قال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ النور : 31 ] ، وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] ، فألزمهم التوبة مع إثبات الإيمان ، وأخبر أنه بالتوبة يغفر لهم ، وفي ذلك وجهان : أحدهما على المعتزلة في إزالتهم اسم الإيمان في كل ذنب لا يغفر عندهم إلا بالتوبة ، وفي ذلك إثباته ، وعلى الخوارج بتسميتهم كفرة وأهل الشرك ، ومحال مع ذلك اسم الإيمان والأمر بغيره ، واللّه الموفق . ولو كان في شيء تسمية بالكفر فهو مجاز اللغة من حيث ذلك صنيعهم ، ونحو ذلك ، على ما يقال للمرء : أصم وأعمى بما لا يقف على حقيقة ما بذلك يوصل إليه ، وذلك نحو قوله : مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ [ النحل : 106 ] ، فأثبت اسم الكفر فيما كان منه على الإكراه لفظا لا تحقيقا لما اطمأن قلبه بالإيمان ، فثبت أن قد يجوز تسميته لنوازل مجازا ، فمثله الأعمال ، ولا قوة إلّا باللّه . وأيضا إن اللّه تعالى قال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [ الزلزلة : 7 ] ، ثم معلوم أنه لا يرى الخير ، وجزاه مع الشرك ، ولا جزا [ ه ] شر في حال الكفر يرى ذلك بعد الإيمان لقوله تعالى : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ النساء : 110 ] ، وقوله : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] ، وقال : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ، دل ما ذكرت من تحقيق حال فيها جزاء الأمرين ، وذلك لا يكون على قول المعتزلة في وقت الكبائر ولا في وقت الصغائر ، وكذا في قول الخوارج ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم اللّه تعالى قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [ النساء : 48 ] ، ومعلوم أن الشرك قد يغفر بالتوبة ، فبطل به قول من يجعله لما قسم الكتاب ، وبطل قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة ؛ لأن اللّه جل ثناؤه جعل لنفسه مشيئة المغفرة ، وذلك فيما كان في الحكمة ، لكن دفعه سفه جل اللّه عن ذلك وتعالى ، فلزم الذي ذكرت القولين جميعا . ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفّرون بالصغائر ما بلي بها الأنبياء والأولياء ، وما يكفر يسقط النبوة والولاية ، ومن ذلك وصف إيمانه بالأنبياء فهو كافر بهم ، فبلغ من تعظيمهم الذنوب إلى أن كفروا به ، وهو أعظم الذنوب ، وهذا حق من تعدى حدود اللّه في الحكم وغلا في دين اللّه أن يكون عطبه من أرجى ما يكون عنده من أسباب النجاة ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى قول المعتزلة في ذلك وصف اللّه الأنبياء بالدعاء له تضرعا وخفية وطمعا